الشيخ محمد رشيد رضا

88

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دالة على أنهم كانوا مصرين على شرب المسكر وعلى إسقائه للحجاج جهرا في الحرم . وهذا زعم لم يقل به أحد بل هو منقوض بالروايات المتفق عليها وبما تواتر من أنهم تركوا بعد نزول آيات المائدة كل مسكر - وانما يفسر ذلك ما قاله ( ص ) لوفد عقد القيس إذ أذن لهم بالانتباذ في الأسقية ( أي قرب الجلد ) قال « فان اشتد فاكسروه بالماء فان أعياكم فأهريقوه » وفي رواية ابن عباس انهم سألوه ما ذا يفعلون إذا اشتد في الأسقية فقال « صبوا عليه الماء - فسألوه - فقال لهم في الثالثة أو الرابعة أهريقوه » الحديث - رواه بو داود . وهو يفسر لنا أمره بكسر ما في سقاية الحجاج بالماء إذ شمه فعلم أنه بدا فيه التغير وقرب ان يصير خمرا . وكما أنه لم يصح شربه ( ص ) من النبيذ المسكر لم يصح أيضا ما رواه الدارقطني وابن أبي شيبة من أن رجلا شرب من إداوة عمر فسكر فجلده وقال : جلدناك للسكر ، أي لا لمجرد الشرب . ويقول بعض النصارى : ان النبي ( ص ) شرب الخمر مع بحيرا الراهب وبعض الصحابة ، وان بعض من سكر من الصحابة قتل الراهب بسيف النبي ( ص ) فكان ذلك سبب تحريم النبي ( ص ) للخمر - وهذا قول مختلق لا أصل له البتة فلم يرو من طريق صحيح ولا ضعيف ولا موضوع ، وبحيرا الراهب لم يجئ الحجاز وانما روي أنه رأى النبي ( ص ) مع عمه أبي طالب وغيره من تجار مكة في بصرى بالشام ولما اختبر حاله علم أن سيكون هو النبي الذي بشربه عيسى والأنبياء ( عليهم السّلام ) وأوصى به عمه وحذره من اليهود ان يكيدوا له . وكانت سن النبي ( ص ) اثنتي عشرة سنة . ولم يثبت ان بحيرا أدرك البعثة . وليس النبي ( ص ) هو الذي حرم الخمر كما حرم صيد المدينة وخلاها . بل كان ذلك بوحي تدريجي كما تقدم ( التداوي بالخمر ) اختلف العلماء في التداوي بالخمر والنجاسات والسموم لحديث طارق بن سويد الجعفي في الخمر وسيأتي وحديث أبي هريرة : نهى رسول اللّه ( ص ) عن الدواء الخبيث ، يعني السم . رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة ، وحديث أبي الدرداء مرفوعا « ان اللّه انزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا